نعتاد نحن المعلمين على مشاهدة تعلق طفل بأمه وأبيه على باب المدرسة في مراحله الأولى، ويمتد هذا الخوف عندما تشتعل السماء بالرعود والبروق والصواعق، فتراه ترتجف أطرافه وكأنه يسأل بقلب مضطرب: «هل أنا بأمان؟».
في ركن من غرفتي، جلست ابنتي الصغيرة تحكي لي عن «العُوّة» والعُوّة مصطلح ابتكاري من اختراع ابنتي لتدلل به على مخلوق اختلقه خيالها وصدقته عاطفتها. لم تكن تنام إلا في أحضان أمها. لم يكن ذلك مجرد «وهم طفولي» بل نداء خفي يبحث عن حضن.
تفكرت ما سبب خلق هذا التصور لديها، فأدركت على الفور أنه تصادف مع مشاهدتنا لفيلم وثائقي يتحدث عن عالم الأسود الضارية. فعلى كل أب وأم تخير المشاهدات بدقة، فرب برنامج وديع لديك يسبب حالة نفسية مستدامة لدى طفلك. إنّ الخوف عند الأطفال ليس عرضًا عابرًا، بل هو رسالة مبكرة تستحق أن تُفهم، فلا تسكت عن أي ظاهرة يمر بها الطفل. لتعرف الجذور التي كونتها ولتحذر مما قد يفاقم مشكلات أطفالك.
ملامح الخوف في الطفولة
الخوف يتسلل إلى عالم طفلك في صور متباينة، بعضها واضح، وبعضها خفي:
أو قد تراه يضطرب كلما شاهد السكاكين أو الأدوات المنزلية الحادة، وقد يتنمر عليه البعض ويضاعف من توتره حين يعلمون بنقاط ضعفه. فمثلًا: يهددونه بالشوكة إن كان يخاف منها وهكذا سائر الأدوات المخيفة. إن خوف طفلك يعتبر رسالة تحذيرية، فهل ستظل مكتوف الأيدي أم تبادر بتدخلٍ سليم؟ إنّ هذه الأمور تعتبر بوابات يجب علينا أن ندرك أنها تمثل للطفل محطة خطر، فكيف لا تتدخل وأنت مصدر الأمان بالنسبة له.
أعراض الجسد الخائف
إنّ الخوف لا يظل ساكنًا، بل يتكلم بلغة الجسد والسلوك، فترى الطفل ترتعش يداه، ويتسارع نبض قلبه، وترى في ملامحه تأثر واضح، بكاء، صراخ، وتشبث شديد بالوالدين، وفي بعض الأحيان كوابيس ليلية أو تبول لا إرادي، وربما تراه يتجنب مواقف بعينها، وكأنها بوابة رعب، هنا وفي هذه اللحظات، لا يحتاج الطفل إلى تعنيف. بل إلى حضن وآذان صاغية تستمع لهمساته وتنهداته قبل أن تصغي لكلماته.
في لحظات الخوف، لا يحتاج الطفل إلى تعنيف، بل إلى حضن وآذان صاغية تستمع لهمساته وتنهداته قبل أن تصغي لكلماته.
حين يغرس الخوف جذوره
إنّ الخوف لا ينبت من فراغ، بل من تربة خصبة، هنا ترى خيال الطفل المجنح يعمل بإسهاب، الطفل لا يميز بين الحقيقة والوهم، فيرى الظل مخلوقًا، والصوت خطرًا، والأحلام واقعًا يهدد بالانتقام.
فإذا وجد أهله في خوف وذعر، انتقل هذا الخوف إليه دون وعي، كنظرة الأم القلقة حين تبرق العاصفة أو حين يرتبك الأب في موقف ما. علينا نحن الآباء والمربين تجنب التربية بالترهيب قدر الإمكان، فاستخدامنا لعبارات التخويف كوسيلة ضبط، يزرع في نفوس الأطفال رعبًا مستدامًا، قد لا ينفك من عقله.
وعلينا أن نعي جيدًا أنّ غياب الحضن المطمئن، أو التعرض لموقف صادم، لا يخلق خوفًا مؤقتًا فحسب، بل قد يغرس بذور قلق مزمن تتسع دوائره مع الزمن إن تُرك دون احتواء.
الخوف حارس أم سجان؟
هل الخوف كله شر؟ ليس الخوف شرًا دائمًا، فبعضه حارس نافع لأطفالنا، وبعضه سجان خانق، يدمر حياتهم.
إنّ الطفل الذي يُترك لخوفه، يكبر وهو يتقن فن الاختباء إن جاز التعبير ولا يجرؤ على المواجهة.
التخلص من القلق والخوف
في البداية علينا نحن الآباء أن لا نسخر من خوفه، ولا نبالغ فيه. علينا أن نكون الضوء الذي يبدد الظلام والعتمة. احتضن خوفه، وقل له بهمس المربي الحاني: «أنا أفهمك، وأنا معك». لا تجعل الرعب وسيلة تربية.
وعليك أن تضع له جدول علاج تدريجي واصنع له بيئة آمنة. ثم عليك بتصحيح هذا الخيال، قل له بهدوء عن كل ما يريعه: «العُوّة»، والرجل الذي تحت السرير، والملثم الذي سيهجم من النافذة. بيّن له الفرق بين الخرافة والحقيقة، بين الواقع والخيال.
اجعله يمارس تكنيك التهدئة الجسدية، اجعله يتنفس بعمق واسترخاء. كن له القدوة الهادئة، واجعله يرى فيك الطمأنينة التي يتكئ عليها. ثم اطلب المساعدة واستشر المختص النفسي عند الحاجة.
ازرع الطمأنينة لا الرعب
الطفل لا يحتاج إلى عالم خالٍ من الخوف، فهذا مستحيل، كل ما يحتاجه منك يد حانية تمسك بيده حين يواجهه الهلع، أن نوفر له بيئة آمنة، وقلبًا يستوعب قبل أن يعلّم، حينها يتحول الخوف من شبح خانق إلى مصباح يضيء ويرشد. اخلق له وعيًا، فهذا الوعي لا يُنبت له الشجاعة فقط، بل يزرع في أعماقه الطمأنينة في الجذور.


