الدنيا ما تسوى – فآجالنا تتسابق!

نافذة الخميس مقال أسبوعي • خيرية العوامية
سعود آل سعيد
بقلم الكاتبسعود آل سعيدالدنيا ما تسوى – فآجالنا تتسابق!آجالنا تنقضي..!! 
العمر • الرحيل • العظةتتهاوى أعمارنا وأعمار من حولنا من أحبة وأهل وأصدقاء، لا سيما في السنوات الأخيرة، كما تتهاوى أوراق الخريف في يوم عاصف؛ فبينما ندبُّ على وجه الأرض، إذا بنا نسكن جوفها في لمح البصر.

فما إن تمر أيام قليلة على فقد أحدنا حتى نفجع بفقد آخر، وربما أكثر من شخص في يوم واحد، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا اعتراض على أمر الله ومشيئته سبحانه وتعالى.

لذلك ينبغي ألّا نجعل وقع الرحيل يمر علينا في حينه كحدث مفجع آني، يزول أثره بعد أيام معدودة، فتطفأ مرارة الفقد ولوعة الفراق وكأنه لم يمسنا أي وجع، بل يجب أن نتوقف عنده وقفة تأمل وعظة.

وقفة تأمللا ينبغي أن يمر الرحيل كحدث مفجع آني ينطفئ أثره بعد أيام، بل أن يكون وقفة عظة تذكّرنا بقصر الحياة وسرعة انقضاء الأعمار.
01 طبيعة الإنسان!

خلق الله عز وجل البشر اجتماعيين بطبعهم، وهذا التفاعل في أصله فطري وسليم، إسنادًا إلى فطرة الناس وكينونتهم التي فطرهم الله عليها، مولِّدًا المحبة والود والانسجام والتعاطف والترابط والعطاء، وقد يرتقي إلى الإيثار كمرتبة أخلاقية سامية. إلا أنه قد يصدر منا خلاف ذلك من صدام وضغينة وبطش، قد يفضي إلى عداء وظلم مقيت، وهذا هو «مربط الفرس» في هذه السطور.

إن الله سبحانه وتعالى غفور رحيم، بيده كل ما بيننا وبينه من عبادات وقربات، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، لكن تشريعه بيَّن أن هناك أخطاءً نرتكبها في تعاملنا مع الآخرين، كإلحاق الضرر بغافل، أو شهادة الزور لأجل أكل مال اليتيم بالباطل، أو سلب حق قاصر، أو استباحة أملاك عاجز، وما نراه من نميمة وغيبة، والأشد سوءًا ذلك المكر السيئ والبهتان المخزي، الذي يعد ظلمًا محضًا لما يناله المجني عليه من تشهير وتشويه لسمعته، أو إشعال للفتنة وتخريب للعلاقات وإذكاء لنار العداوة والبغضاء.

حقوق العبادقد يمضي أثر الظلم سنوات طويلة، ويبقى في نفس المظلوم حتى يأتي يومٌ لا يجد فيه الظالم متسعًا لإصلاح ما أفسده.
02 مواقف!

بعد تقاعده، تلقى أحد الإخوة اتصالًا من شاب عرّف نفسه بأنه ابن مديره السابق، وطلب مقابلته على وجه السرعة. استجاب الرجل لطلب الشاب، فاصطحبه إلى والده الذي كان يحتضر على فراش الموت. وحين طلب المدير من موظفه السابق مسامحته، التزم الرجل الصمت، وأدار ظهره، وغادر المكان.

يقول صاحبنا إن ذلك المدير ظلمه في عمله لأكثر من ثلاثين عامًا، وأذاقه مرارة المعاملة القاسية وحرمه من حقوقه، وهذا غيضٌ من فيضٍ مما خفي من المظالم.

تحذير نبويلقد حذرنا الرسول ﷺ بقوله: «لا يدخل الجنة نمام»، وما أعظمه من تحذير!

ويروي لنا الأصدقاء قصصًا عن مظالم كثيرة تعرضوا لها أو عرفوها؛ بين جورٍ واستعباد، وعسفٍ واضطهاد، سواء كان ذلك من ذوي القربى، أو في بيئات العمل، أو تسلطٍ من باغٍ.

لك أن تتخيل شخصًا عاش حياته في مجتمع مكلوم السمعة بسبب نمامٍ خاض في عرضه، وبعد وفاته جاء هذا النمام يطلب الصفح من أبنائه، فكان ردهم الحازم: «اذهب إلى قبر أبينا واطلب منه أن يسامحك».

03 تذكير..

أيها الأحبة، الدنيا ممرٌّ وليست دار مستقر، وكل ذرة ظلمٍ لها حسابٌ عسير أمام جبار السماوات والأرض في يومٍ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. ولنتأمل قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: «كفى بالموت واعظًا»؛ فإذا لم نتعظ ونحن نرى أعمار الأحبة والأهل تمضي، ونواري أجسادهم الثرى واحدًا تلو الآخر، فمتى نستيقظ ونعتبر؟!

نافذة الخميسالدنيا ممرٌّ وليست دار مستقرإذا كانت آجالنا تتسابق، وأعمار من نحب تمضي أمام أعيننا، فليكن في الرحيل ما يوقظنا قبل أن يأتي يوم لا يبقى فيه متسع لرد حق، أو جبر خاطر، أو طلب مسامحة.سعود آل سعيد • نافذة الخميس
القسم الإعلامي بخيرية العوامية
الدنيا ما تسوى – فآجالنا تتسابق!
آراء ومقالات