
مقالات وقراءات
«مهدي... وابتسامتان»
|
|||
عندما رأيت صورة مهدي، ورأيت الناس ينعونه ويتحدثون عنه، تذكرت ابتسامته. ولم أكن وحدي في ذلك فقد كان واضحًا أن كثيرًا ممن عرفوه احتفظوا بالصورة نفسها عنه… مهدي يبتسم… لكن الغريب أن ابتسامته لم تستدعي في ذاكرتي صورته وحدها. فجأة، تذكرت ابتسامةً أخرى… ابتسامة رجل خرج ذات يوم من عيادة طبيب، وكأنّ شيئًا في وجهه قد تبدّل. لم أفهم في البداية لماذا جمعت ذاكرتي بين الابتسامتين. وربما كانت كلتاهما تحملان شيئًا يشبه الدواء. فهل يمكن لابتسامةٍ أن تكون دواءً؟ ربما… قد تأتي من شخصٍ لا تعرف اسمه، أو من عابر تلتقيه للحظة، أو من صديق اعتدت وجهه… لم يكن يسمع كلامنا، لكنه كان يفهمنا وكان يعرف كيف يقول لنا بابتسامته شيئًا يصل إلى قلوبنا. رحل اليوم رجلٌ لم يسمع صوت الكلام، فعوّضه الله بلغة لا تحتاج أذنًا لتُفهم، ولا لسانًا لتُقال… لم يكن صمته نقصًا، بل كانت في وجهه مساحةٌ صافية، سكنتها البسمة حتى غدت توقيعه الذي يُعرف به، وسمته التي لا تُنسى. وحين نُعي، لم يُنعَ بما قاله، بل بما كان يفعله كلما التقى وجهًا: كان يبتسم. وكفى بهذا شاهدًا أن بعض الناس يتحدثون بوجوههم أكثر مما يتحدث غيرهم بألسنتهم. ولعل الإسلام أدرك هذا المعنى قبل أن نكتشف نحن أثره في حياتنا، فجعل النبي ص الابتسامة صدقة، فقد روي عنه صلى الله عليه وآله:
حركةٌ صغيرة في الوجه، لكنها قد تكون كبيرةً في أثرها؛ لا تكلف مالًا، ولا تحتاج وقتًا، وربما لا يدري صاحبها كم من الخير تركه وراءه. وحتى بعيدًا عن النصوص الدينية، تبقى الابتسامة لغةً إنسانية لا تحتاج إلى ترجمان… لا تفرق بين من يسمع ومن لا يسمع، ولا بين لسانٍ ولسان. ولعلني لم أفهم هذا المعنى كما فهمته في ذلك اليوم في المستشفى. كنت في غرفة انتظار المرضى، حين جلس بجانبي رجلٌ يحمل الحزن على وجهه كما يحمله كثيرون ممن أنهكهم المرض. دخل على الطبيب بوجهٍ مثقل، ثم خرج بعد دقائق بوجهٍ مختلف. سألته ونحن ننتظر الدواء في الصيدلية: دخلت بوجهٍ متجهم، وخرجت بوجهٍ مبتسم… فهل شخّص الطبيب علتك وأعطاك الدواء المناسب؟ فضحك وقال: قالها ببساطة، ومضى… ربما لأن بعض الأدوية لا تُكتب في وصفة، ولا تُصرف من صيدلية، ولا تُقاس بجرعة. وربما لهذا تذكرت اليوم ابتسامة ذاك الطبيب وأنا أرى ابتسامة مهدي. فكرت أن الرجلين، رغم اختلاف الحكايتين، كانا يمنحان من حولهما شيئًا واحدًا: الطبيب منحها لمريضٍ أتعبه المرض، ومهدي كان يمنحها لكل من التقى به. نحن لا نعرف ماذا تفعل ابتسامتنا في قلبٍ يمر أمامنا. كم حزينًا خفّ حزنه بسبب ابتسامة؟ وكم مريضًا وجد في الابتسامة شيئًا من الدواء؟ وكم قلبًا أثقلته الحياة، ثم جاءته ابتسامةٌ صغيرة تقول له… دون كلام: ما زال في الدنيا شيءٌ جميل. رحل مهدي اليوم… لكن بقيت ابتسامته في وجوه الذين عرفوه، وفي كلمات الذين نعوه، وفي ذاكرتي أنا… ولعل هذا هو سر الابتسامة:
|
|||
| ◆ القسم الإعلامي بجمعية العوامية الخيرية ◆ |
تأسست جمعية العوامية الخيرية للخدمات الاجتماعية عام ١٣٨٧هـ وتم تسجيلها رسميًا بوزارة العمل والشئون الاجتماعية آنذاك برقم ١١ وتاريخ ١٣٨٩/١٠/٢٦هـ، وكان تأسيس الجمعية نتيجة اندماج مؤسستين خيريتين في البلدة وهما جمعية الأمل الخيرية والصندوق الخيري في جمعية واحدة، التي لا زالت تقدم خدماتها النبيلة بتوفيق من الله سبحانه وتعالى وجوداً من أهل الخير أمثالكم لترتسم البسمة على شفاه المحرومين ولننعم جميعاً بحياة ملؤها البر والإيمان.
