إذا كان الكرم خُلُقًا يُمدح به غير المسلم، فكيف إذا اجتمع الكرم مع الإسلام وحبِّ أهل البيت عليهم السلام. رحمك الله ياعم شاكر بن جعفر بن محمد حسين آل إبراهيم (أبو فاضل)، الذي كان مثالًا للكرم والسخاء، لا يُعرف عنه إلا البذل والإحسان. سنواتٌ طويلة اعتادت زوجته أم فاضل، وبناته، وأحفاده، وأقاربهم، وجيرانهم، وأصدقاؤهم أن يجتمعوا، كلٌّ يجود بما يجود به، للمشاركة في إعداد وجبة أبي الفضل العباس عليه السلام، إحياءً لهذه المناسبة.

حتى أصبح منزلهم في اليوم السابع من محرم وليلته مقصدًا لكل من يعرفهم، يقصدونه لأخذ البركة والمشاركة في هذا الخير. فرحم الله فقيدنا، وجزاه عن كرمه وإحسانه خير الجزاء. وجديرٌ بمن عاش محبًا لنهج أبي الفضل العباس عليه السلام، وكان بيته مقصدًا للناس، أن يُرجى له من الله الكرامة والفضل. ومن جميل الموافقات أن تكون أول ليلةٍ في قبره ليلة السابع من محرم، تلك الليلة العزيزة على محبي أبي الفضل العباس عليه السلام. نسأل الله أن يجعلها بشارة خير، وأن يحشره مع محمد وآل محمد، وأن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته.

وحتى بعد رحيله، بقي عطاؤه مستمرًا، في موقفٍ جعلني أتأمل قول الله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾. رحل أبو فاضل، وبقي كرسيه المتحرك، ولم نكن نعلم لمن سيكون بعده، ولا أي بابٍ من أبواب الخير سيفتحه الله بسببه. ثم شاء الله أن تتقدم إحدى الصديقات المعزيات بالعزاء لابنته الكبرى، ودار الحديث بينهما عن والدتها التي أصابها طارئ وهي تستعد للسفر إلى العراق، فأصبحت بحاجة إلى كرسي متحرك يعينها على أداء الزيارة، لتتمكن من زيارة الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام.
فكان كرسي الفقيد هو الحل، وانتقل من خدمة صاحبه في حياته إلى إعانة زائرة على قصد أبي عبدالله الحسين وأبي الفضل العباس بعد وفاته. هكذا سيرحل كرسيه مع الزائرين، هذا ونسأل الله أن يجعله بابًا من أبواب الرحمة والمغفرة لأبي فاضل، وأن يمتد نفعه، ويجعل أجره في ميزان حسناته. حقًا… لا يدري الإنسان أي أثرٍ يتركه بعد رحيله، ولا أي بابٍ من الخير يفتحه الله له. فطوبى لمن بقي أثره نافعًا، واستمر عطاؤه بعد انقطاع عمله.
كان بيته مفتوحًا لكل قاصد، يستقبل الناس بطيب نفس، ويودعهم بالمحبة والإكرام. أما بالنسبة لنا أصهاره، فلم يكن مجرد والد زوجة أو جد أبناء، بل كان أبًا بحنانه وعطفه. كنا نرى أبوته في سلامه، وحديثه، واهتمامه، وزياراته، ونرى في أخلاقه قلبًا كبيرًا يتسع للجميع. فرحمك الله يا عم عشت كريمًا، ورحلت كريمًا، وبقي كرمك حيًا بعد رحيلك، وطاب ذكرك بين الناس كما طاب أثرك في حياتك وبعد مماتك.
اللهم انقله من ضيق اللحود والقبور إلى سعة الدور والقصور، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، واحشره مع محمد وآل محمد، واجزه عن كل معروفٍ صنعه خير الجزاء.
يرحل المخلصون بأجسادهم، لكن أثرهم الطيب يبقى حاضرًا، وتظل ذكراهم العطرة وثمار ما زرعوه طوال عقود حيّة في قلوب كل من عرفهم، وسيبقى ما تحلّى به الفقيد من إنسانية وخلق رفيع أثرًا لا يُمحى، حاضرًا في كل زاوية من زوايا مجتمعه.
