حين تُعلِّمُنا كلمةٌ درسًا لغويًّا

بقلم / حسن لباد

في ليلةِ شتاءٍ باردةٍ، جلستُ قرب المدفأة أحتسي كوبًا من  الشاي، أُحدِّق في السماء لعلِّي أظفرُ بنجمةٍ أفلتت من بين السُّحُبِ المُنذِرَة بالمطر.
كان المشهدُ مكتملَ الدفء: مدفأةٌ تتوهّج، وكوبُ شايٍ يتصاعد منه البخار، وصمتُ ليلٍ يُغري بالكلام مع الورق. عندها مددتُ يدي إلى قلمي، وفتحتُ كشكول أوراقي، وبدأتُ أُسطِّر أفكارًا مبعثرة، لأصوغ منها مقالًا يُرضي شغفي ويُضيف للقارئ فائدة… وبالتّالي نخرجُ معًا بشيءٍ يستحقّ القراءة.
لكنّ كلمةً صغيرة أوقفتني فجأة: «وبالتالي».
تأمّلتُها، وتهجّيتُ حروفها: و، ب، ت، أ، ل، ي.
وسألتُ نفسي: إذا كانت هذه الحروف هي المنطوقة، فلماذا تُكتب «الـ» ولا تُسمع؟ أهي زائدة أم من أصل الكلمة؟
قادني الفضول إلى المعاجم، واستعنتُ بصديق، حتى استقرّ بي البحث إلى حقيقةٍ لغويّة لطيفة: إنّ «التالي» كلمةٌ مُعرَّفة بـ «ال»، غير أنّ التاء من الحروف الشَّمسيّة، فتُدغم اللام عند النطق، فنكتبها ولا ننطقها.
فنقول: وبِتالي
ولا نقول: وبِالتالي
وهكذا، تعلّمتُ في تلك الليلة أنّ اللغة لا تُعلِّمنا المعاني وحدها، بل تُدرِّبنا أيضًا على الإصغاء للتفاصيل… فربّ كلمةٍ عابرة، توقظ فينا دهشة المعرفة، وتفتح لنا بابًا صغيرًا نحو عالمٍ أوسع من الجمال.
حين تُعلِّمُنا كلمةٌ درسًا لغويًّا
آراء ومقالات