(جعفر) .. خيرٌ كثير

 
❖ لَمَسَاتُ وَفَاءٍ وَإِجْلَال ❖

(جعفر) .. خيرٌ كثير

مقالة وفاء واستذكار لمسيرة الفقيد السعيد: المعلم الحاج جعفر علي آل خزعل (رحمه الله)

(جعفر خزعل) .. بهذا الاسم عُرِفَ في الأوساط الاجتماعية. اسمٌ رنَّان في أرجاء بلدته، إذا ذُكر فلا ينصرفُ إلا إليه. من دون ألقابٍ ولا صفاتٍ ولا كُنى، لا لشيءٍ إلا لبساطته مع النَّاس، مع أنه: الطَّالب المثالي، والمؤمن المُتقي، والموالي المُخلص، والحاج النَّاسك، والخلوق ذو المواهب المتعدِّدة، والمربِّي القُدوة، والموظَّف الملتزم، والأستاذ القَدير، والمصلح الأُسري، والنَّاشط الاجتماعي، والصَّابر المحتسب.

وحين نذكر كُلَّ هذه الصفات فليست كلماتٍ إنشائية، بل واقعٌ ملموسٌ أدركه كلُّ من عاش في وسطه أو زامله أو صاحبه، أو حتى شاهده ورصدَ سلوكَه وأقوالَه وأفعالَه على الصَّعيد الشخصي أو العملي أو الاجتماعي. عرفتُ أبا أحمد منذُ نعومة أظفارنا، ونحن على أبواب البلوغ والمراهقة واستمرَّت إلى الأخير.. نحوًا من نصف قرن. كانت كافيةً لأرصد خِصالَ الخير وسِمات الرُّجولة والشَّهامة فيه.

01

جعفر.. نهرٌ في الجنة

شَاءَتْ أمُّه أنْ تُسمِّيَه جعفرًا، اقتداءً بإمامها الصادق (صلوات الله عليه). وفي أصل الوضع هو النَّهر الصَّغير فوق الجدول، وكذلك الناقة التي يمتلئ ضرعُها باللَّبن يطلق عليها جعفر، وهو يَرمز إلى الخير والعطاء، ثم نُقل هذا المعنى ليُصبح علمًا للمُذكَّر، ليُسقط على اسم الرَّجُل كثير الجود والكَرم، أي الَّذي يُرجى منه أنْ يكونَ كذلك. ويكفي في هذا الاسم شرفًا أنَّ الإمام الباقر (عليه السلام) سمَّى ابنَه به.

عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: قال لي أبي: «إنَّ في الجَنَّةِ نهرًا يُقال له: جَعفر على شَاطئِه الأيمن دُرَّةٌ بيضَاء فيها ألفُ قصرٍ، في كلِّ قصرٍ ألفُ قصرٍ لمحمَّد وآلِ محمَّد (صلى الله عليه وآله)، وعلى شاطئِه الأيسر دُرَّةٌ صفرَاء فيها ألفُ قصرٍ، في كلِّ قصر ألفُ قصرٍ لإبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ (عليهم السلام)». {الروضة من الكافي، 8/ 152}
02

الطَّالب المثالي

لَمَسْنَا هذا الخيرَ الكثيرَ وهذا العطاءَ المتميِّز في جعفر (خزعل) بدءًا من أوائل إقباله على الحياة إلى حين رحيله، منذُ أنْ كنَّا طُلَّابًا على مقاعد الدراسة في المرحلتين المتوسطة والثانوية. كان يُشار إليه بالبَنان طالبًا متفوِّقًا حريصًا على دراسته، ملتزمًا بالنِّظام العام في الوسط التربوي. كان يَنظر إليه أساتذتُه نظرةَ احترامٍ وتقدير، وزملاؤه نظرةَ اقتداءٍ وثناء. في تلك السنِّ المبكرة التحقَ بفرق الكشَّافة وفيها تشبَّع بالقِيم الأخلاقية العالية ممارسةً وفعلًا، كالتَّعاون والاحترام والانضباط وتقدير الوقت والعمل الجَمعي.

03

طموحٌ وإرادة

في ذلك الحين، كان يَظهر من بريق عينيه لمعانُ النَّظر إلى المستقبل؛ كان يرسم ملامحَ مستقبلِه: بأيِّ جامعة يلتحق، وفي أيِّ كُليَّة يستقر، وأيَّ تخصُّص يدرس؛ لكي يشقَّ عُباب الحياة بسُفن العلم ومراكب المعرفة. وهذا ما حصل؛ التحقَ بجامعة الملك سعود في كلية التربية، وتخصَّص في علم النَّفس شغفًا بهذا الفرع من فروع العلوم الإنسانيَّة، ثم التحقَ بعدها بسلك التعليم ليعمل في مجال تخصُّصه مرشدًا طلابيًّا وموجِّهًا تربويًا.

04

المُرشِد المُوجِّه

كان يتعامل مع الطلاب في بداية مرحلة مراهقتهم، وكان أبًا رحيمًا لهؤلاء الطلاب.. مُرشِدًا.. مُوجِّهًا.. ناصحًا. يعالج مشكلةً تارة، ويدفع طالبًا مجتهدًا ليشق طريق العِلم بجدٍّ واجتهاد أخرى. وكم تصدَّر منصات تكريم الطلاب المتفوقين، واحتفى بهم بسبب تحصيلهم أو إنجازاتهم. ولا شكَّ أنَّ طلابَه الَّذين أصبحوارجالَ الوطن يحملون رايته خفَّاقةً يحفظون له هذا الجميل، ونرى فيه قولَ أحمد شوقي:

أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي  •  يَبني وَيُنشِئُ أَنفُسًا وَعُقولَا
05

الناشط الاجتماعي

وظَّف تخصصه في علم النفس في أنشطته العامَّة، ومصلحًا أُسريًّا في جمعية العوامية الخيرية، ومستشارًا تربويًا في «البيت السعيد» بصفوى، ومؤسِّسًا مشاركًا في «أصدقاء الصِّحة النَّفسية». جعل التخصُّص رسالةً يحملها على عاتقه أينما ذهب، وتراه في الصَّدارة لا يتأخر، يبذل من وقته وجرأته، وإن تعرَّض لبعض المشاق، متمثِّلًا قولَ المقنَّع الكِندي:

فَإِن يَأكُلوا لَحمي وَفَرتُ لحومَهُم  •  وَإِن يَهدِمُوا مَجدي بنيتُ لَهُم مَجدَا
وَإِن ضَيَّعوا غيبي حَفظتُ غيوبَهُم  •  وَإِن هُم هَوَوا غَيِّي هَوَيتُ لَهُم رُشدَا
06

الصَّابر المحتسب ومفارقة الراحل

ابتُلي قبل سنوات بمرض عُضال، واجهه بصبر وثبات تجاوز به المحنة بسلام، ثم أُصيب إثر حادث مروري أليم تعرَّض له، وظل يعاني آثاره محتسبًا حتى فارق الحياة. ويا للمفارقة! بالأمس كان أبو أحمد يتحدَّث في صحيفة الرياض عن (إرهاب الشوارع) داعيًا إلى علاج سلوكي معرفي يوضح أضرار السرعة، فكان همُّه الأول والأخير بثَّ الوعي في مجتمعه، حتى وقع ضحيةَ هذا الجهل والتَّهوُّر.

❖ الأَثَرُ الخَالِد ❖

بصماته باقية

أبا أحمد.. قضيتَ عُمرك مع المراهقين في عَملك وفي محيطك وفي مجتمعك، مُتحدِّثًا إليهم ناصحًا، مربيًّا بأفعالك وهدوئك وتواضعك، فتركتَ بصمةً في نفوسٍ كانوا بالأمس ناشئين واليوم رجالًا مُكافحين، وتركتَ أثرًا يتردِّد صداه في مجتمعك الذي ما فتئ يردِّد: «خيرُ النَّاسِ أنفعُهم للنَّاس».

❖ دُعَاءٌ وَخَاتِمَة ❖

اللَّهُمَّ جَافِ الأرضَ عن جَنبَيهِ وصَعِّدْ رُوحَه إلى أَرْوَاحِ المُؤمِنِينَ في عِلِّيينَ وَأَلَحْقِهْ بِالصَّالحِينَ. اللَّهُمَّ افسحْ له في قَبرِه ولَقِّنْه حُجَّتَه وثَبِّتْه بِالقَولِ الثَّابتِ وقِنَا وَإِيَّاهُ عَذَابَ القَبر. والحمدُ للهِ ربَّ العالمين.

﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

سيرةٌ ومَسِيرَة .. محطاتٌ من عطاء الفقيد السعيد

المعلم الحاج جعفر علي جعفر آل خزعل (أبو أحمد)
المعلم جعفر آل خزعل - صورة 1
حضورٌ تربوي ومجتمعي متواصل
المعلم جعفر آل خزعل - صورة 2
عطاءٌ مؤسسي في خيرية العوامية
المعلم جعفر آل خزعل - صورة 3
أثرٌ طيب وذكرى عطرة لا تزول

«اللهم انقله إلى سعة الدور والقصور واجعله مع محمد وآله في أعلى عليين»


الشيخ سمير آل ربح
الكاتب / الشيخ سمير آل ربح

■ القسم الإعلامي بخيرية العوامية ■

تغمد الله الفقيد السعيد بواسع رحمته
(جعفر) .. خيرٌ كثير
آراء ومقالات