الميراث.. بين حق الله ورحمة القلوب

مقال تربوي واجتماعي

الميراث.. بين حق الله ورحمة القلوب

كاتب المقال
بقلم: الأستاذ عبدالمجيد آل نمر
«حين تدخل مزايدةً على بيتٍ من بيوت الورثة.. تذكر أنك لا تزايد على جدرانٍ وأحجار، بل تزايد على قلب أخيك ودمعة أختك»

هناك في ذلك البيت عائلةٌ مستورة، رجلٌ دخله محدود، وأطفاله ينامون مطمئنين لأن سقف أبيهم القديم لا يزال يسترهم، فإذا نودي للمزاد طار الأمان وجاء الخوف، وصار البيت الذي كان وطناً سلعةً.

نعم، لكل وارثٍ حقه كما قسمه الله، والحق لا يُنكر ولا يُجحد، ولكن الله الذي قسم الميراث هو نفسه الذي أوصى بالرحمة وجعلها فوق العدل، وأمرنا ألا ننسى الفضل بيننا.

رأيتُ الكثير الكثير بعيني حين عُرضت بيوتُ عائلاتٍ للبيع، والله إن بعضها لا يساوي شيئاً في سوق العقار؛ بيوتٌ قديمة متآكلة، جدرانها متشققة، لا تساوي ثمن سيارة أحد أبناء الأغنياء من الورثة، لكنها عند الفقير الساكن فيها تساوي عمراً كاملاً من الستر والطمأنينة.

أي ربحٍ هذا الذي يخسر فيه الإنسان أهله؟!

وهناك إخوةٌ وأخوات وعائلات تخاصمت عشرات السنين بسبب هذا الإرث، انقطعت بينهم الزيارة وانقطع الكلام، ثم ورث الأحفاد الخصومة كما ورثوا المال، فصار ابن العم لا يعرف ابن عمه إلا في المحاكم، وكل هذا من أجل بيتٍ باعوه واقتسموا ثمنه، ثم ذهب المال وبقيت القطيعة.

رأيتُ أخاً رزقه الله مالاً وفيراً وأولاده كلهم في وظائف مرموقة يزايد أخاه الفقير على بيتٍ لا يملك غيره، ورأيتُ أختاً تبكي لأنها لا تملك إيجار شقةٍ بعد بيع بيت أبيها، والله إنها مناظر تكسر القلوب وتدمع العين.

فيا من وسّع الله عليكم، الله الله في إخوانكم وأخواتكم الضعفاء؛ من كان لديه القدرة فليقف بجانبهم، فليمهلهم، فليتنازل، فليجبر خاطرهم، فإن جبر الخواطر عبادة، وما نقص مالٌ من رحمة.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من نفّس عن أخيه كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة».

أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «ارحموا ضعفاءكم واطلبوا الرحمة من الله بالرحمة لعباده».

الإمام الصادق (عليه السلام): «ما من مؤمن يعين مؤمناً مظلوماً إلا كان أفضل من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام».

الإمام الحسين (عليه السلام): «اعلموا أن حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم فلا تملوا النعم فتتحول إلى غيركم».

فلا تجعلوا الميراث سكيناً تقطعون به أرحامكم، اجعلوه جسراً تعبرون به إلى الجنة، ومن وقف مع أخيه اليوم وقف الله معه غداً.

الخلاصة يا كرام

خذ حقك ولكن برحمة، وإن استطعت أن تترك شيئاً لله ولصلة رحمك فافعل.

فما عند الله خيرٌ وأبقى، وما تقدموا لأنفسكم من خيرٍ تجدوه عند الله.

◆ جمعية العوامية الخيرية للخدمات الاجتماعية ◆
الميراث.. بين حق الله ورحمة القلوب
آراء ومقالات