ورحيل المعلم ليس رحيل شخص عابر، فالمعلم يترك أثره في كل بيت وطالب ومجتمع، وحين يكون المعلم مخلصًا لرسالته، محبًّا لطلابه، قريبًا من زملائه، خادمًا لمجتمعه، فإن غيابه يصبح أكثر وجعًا؛ لأن الذين عرفوه لا يفتقدون شخصًا فحسب، بل يفتقدون حضورًا ترك في نفوسهم أثرًا جميلًا لا يُمحى.
واليوم يخيم الحزن على المجتمع برحيل معلمين فاضلين، جمعتهما رسالة العلم، وأحبتهما البيئة التعليمية، هما المعلم جعفر علي آل خزعل «أبو أحمد»، والمعلم لقمان عبدالجليل الفرج «أبو محمد»، رحمهما الله رحمة واسعة، وحشرهما مع محمد وآل محمد الطاهرين.
تغيب أجسادهما عن نواظرنا، لكن أثرهما لا يغيب، فالمعلم الحقيقي لا تنتهي حكايته حين يغادر الدنيا، بل تبقى كلماته في ذاكرة طلابه، ومواقفه في وجدان زملائه، وأخلاقه في نفوس من عرفهم، وما أجمل أن يرحل الإنسان ويبقى منه ما يجعل الآخرين يذكرونه بالخير كلما مر اسمه أو حضرت سيرته.
ولعل من أشد ما تؤلم في رحيلهما أن فقدهما لا يخص عائلتي آل خزعل والفرج وحدهما، بل هو فقد امتد إلى مجتمع واسع أحبهما، وإلى مدارس وبيئات تعليمية عرفتهما معلمين ومربين وإخوة وأصحاب أثر.
فكم من طالبٍ سيبحث بعد اليوم عن ذلك المعلم الذي اعتاد أن يراه أمامه، وكم من زميل سيفتقد حديثه وابتسامته ومواقفه، وكم من مجلس سيبقى فيه مكان شاغر يُذكر الحاضرين بأن الأحبة يرحلون، لكن آثارهم تبقى.
هكذا هي الحياة، في كل يوم يولد إنسان، وفي يوم آخر يودع إنسان، وبين الميلاد والرحيل يكتب كل واحد منا أثره، والسعيد من كتب أثرًا طيبًا في قلوب الناس، حتى إذا غاب جسده بقي ذكره حيًا بينهم.
رحل المعلمان، وبقيت الرسالة، وغابت الأجساد، وبقي الأثر، وما أجمل أن يرحل الإنسان ويبقى من سيرته ما يجعل القلوب تذكره بالدعاء والرحمة.


