
قبل ما يقارب الأسبوع، توشّحت بلدة العوامية بثوب الحزن والأسى، حين ودّعت قامةً معطاءة وأحد رجالاتها الأوفياء، الحاج جعفر بن محمد آل ربح (أبو محمد- رحمة الله عليه)، الذي يُعد وجهًا ألفه الصغير والكبير بطيب قلبه وبشاشته التي لم تكن تفارق محيّاه، وبما أمضاه في محراب الخدمة قرابة أربعين عامًا متواصلة، دون كلل أو ملل، من النشاط والعمل الدؤوب، سواء في المجال الديني أم الاجتماعي.
فما بين كنف بيوت الله، وتشرفه بخدمتها المتواصلة، مرورًا بخدمته في المآتم الحسينية بين المسجد وبيته، إلى ما تركه من أثر طيب يُشاد به في زوايا مهرجانات الزواج الجماعي، ودوره البارز في ملحمة كربلاء (التمثيل الحسيني)، وتشجيعه للفتية والشباب على الانخراط في العمل التطوعي وخدمة المجتمع، ظل اسم «أبو محمد» حاضرًا في ميادين الخير والعطاء.

لم يكن «أبو محمد» والذي عُرف بابتسامته الدائمة، واستقباله الدافئ، وطيب سريرته مع المصلين مجرد قيّمٍ على المسجد، بل كان روحًا تنبض بالخير، ومدرسةً متنقلة في العطاء وحب الناس، طالما شاهدنا ولمسنا تلك الجهود المباركة والأنشطة المتنوعة التي كان يقيمها بين جنبات هذا الصرح الروحاني وحرصه الشديد على أن يكون منارةً تجمع القلوب وتُهذب النفوس، برفقة أعضاء نشطاء متفانين في تقديم كل ما من شأنه صلاح الفرد والمجتمع، ببركة هذا الإنسان المؤمن المخلص.
إلى جانب تعلقه بمسجد العباس، كان للفقيد سجلٌ حافل وناصع في خدمة قضية الإمام الحسين (عليه السلام). فمن المأتم الذي يُقام في المسجد نفسه، جسّد تعلقه بالإمام الحسين (عليه السلام)، وأكدت مواقفه وأفعاله المعنى الحقيقي للخادم الحسيني المخلص. ولا ننسى نشاطه المتواصل والمتصاعد منذ أربعة عقود، حيث سخّر وقته وجهده وطاقته لإحياء هذه الشعيرة الحسينية, ناهيك عن المأتم الذي كان يقيمه في منزله، وقد غرس هذا العشق الحسيني في قلوب الشباب من حوله، مؤكدًا لهم دائمًا أن خدمة الإمام الحسين شرف الدارين ووسام فخر لا يزول.

عند انطلاق التمثيل الحسيني لواقعة الطف بأداء المشاهد كاملة خلال شهر محرم من عام 1417هـ، اتضح الدور الرائد لفقيدنا - رحمه الله - في قيام هذه الشعيرة(رغم صعوبة البدايات)، وقد أبتٌلىَ البلاء الحسن وتلك الجهود الخفية التي لا يعلمها إلا الله سبحانه والقريبون من الملحمة. كما كان يتميز بأنه لا يترفّع عن أي مهمة، فتجده يحفر، ويعدّل الموقع، ويفرش السجاد ويطويه، حتى إنه كان من الأشخاص الذين بقوا وواصلوا العمل حتى الأيام الأخيرة من إقامة الملحمة.
آمن الفقيد بأن المجتمع لا ينهض إلا بسواعد أبنائه، فكان بمثابة الأب الروحي والموجّه لفئة الشباب، إذ حمل على عاتقه غرس قيم البذل والعطاء في نفوس الناشئة. وكان يحثهم دائمًا على الالتحاق بالعمل التطوعي، ويأخذ بأيديهم نحو خدمة بيوت الله والمجتمع. وكان من ثمار جهوده انخراط مجموعات من الناشئة في العمل الاجتماعي، حيث تعلموا منه كيف يكون العطاء بلا مقابل، وكيف تُبنى المجتمعات بروح الفريق الواحد.
يرحل المخلصون بأجسادهم، لكن أثرهم الطيب يبقى حاضرًا، وتظل ذكراهم العطرة وثمار ما زرعوه طوال عقود حيّة في قلوب كل من عرفهم، وسيبقى ما تحلّى به الفقيد من إنسانية وخلق رفيع أثرًا لا يُمحى، حاضرًا في كل زاوية من زوايا مجتمعه.
سائلين العلي القدير أن يتغمد هذه القامة الشامخة، التي أفنت عمرها في خدمة الدين والمجتمع، بواسع رحمته، وأن يحشره مع محمد وآله الطاهرين، ويلهم عائلته الكريمة وأبناءه ومحبيه الصبر والسلوان