في ضُحى يوم الجُمعة الفَائت الموافق للثامن والعشرين من شهر شوال، تُباغت جوالي رسالةٌ عبر الأثير مفادُها أنَّ أسماءَ (نور) انتقلت إلى الدَّار الآخرة، فعمَّ الصَّمتُ الممتزِجُ بالذُّهول والصَّدمة.. حزنٌ وأسى ودموعٌ ووجُوم، فهي ابنةُ خالتي وخالةُ أولادي، بل لا أحسبها إلا إحدى بناتي، إذ كنتُ أراها صبيةً تنشأُ وتترعرعُ وسطَ بيتٍ هَادِئ.
فتاةٌ نشأت يتيمةً؛ إذ رحلَ عنها أبوها (الحاج عبدالله بن علي آل ربح أبو هاني) وهي لـمَّا تبلغ السادسة مِنْ عمرها، فتلقَّتها أمُّها بحضنِها الدَّافئ ومشاعرها الفيَّاضة، وتربيتها الصالحة. أخذت هذه الأم النموذجية في رعايتها كنبتةٍ للتوِّ تتبرعم، ويومًا بعد يوم، وشهرًا بعد شهر، وسنةً بعد سنة، إلى أن اشتدَّت ونمت وترعرعت (كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ) [سورة محمد: 29]؛ فتحوَّل (اليُتم) من نقطةِ ضَعفٍ في ظاهره إلى سببِ قُوَّةٍ وتحدٍّ في مواجهة صعوبات الحياة ومشقتها.
أحاطَ بها إخوةٌ وأخواتٌ.. أشقاء وشقيقات إحاطةَ السوار بالمِعصم، فهُم الكَلالة.. جمع إكليل، وهو التَّاج الذي يُحيط بالرأس من جوانبه ولا يعلوه، وهم كانوا كذلك، أحاطوا بها إحاطةَ التَّاج الذي يلتفُّ برأسِها، فكانوا لها زينًا.
شقَّت طريقَها في الحياة وبلورت طموحاتها، وكأيِّ فتاة في عمرها، كانت لديها آمالٌ تسعى إلى تحقيقها، لتكون عنصرًا فاعلًا في مجتمعها، تحقِّق ذاتها من جهة، وتسيرُ في ركاب التنمية وبناء الوطن من جهة أخرى.
اختارت المسارَ الطبِّي وتخصَّصت في (طب الأسنان)، فهاجرتْ إلى بلاد مصر سعيًا وراء هذا الهدف المرسوم، تحمَّلت الغُربة وصعوباتها، وُضِعَ الرِّيالُ على الرِّيالِ، وسهرت الليالي وواصلت الأيام حتى وصلتْ إلى المحطة الأخيرة. انتهتْ من دراسة المقررات جميعها النظرية والعملية، ولكن ...
في زَهرةِ شَبابها وفي أَوجِ أناقتِها وفي بَهاء طلعتِها؛ شَاءت الأقدارُ أنْ يداهمَها المرضُ على حين غُرة. مرضٌ عُضالٌ أنهكَ جسدَها الغضَّ وتغلغلَ في حناياها، فأصبحت حليفةَ المستشفيات. مراجعة بعد مراجعة، لـِمَ كلُّ ذلك؟ إنها مشيئةُ الله بعباده؛ فمع أنَّ المرضَ ظاهرُه الوجعُ والألـمُ، إلَّا أنَّ باطنَه الرَّحمةُ والمغفرةُ والرُّضوان.
من معين النبوة وأهل البيت عليهم السلام:
- «إذا وجَّهت إلى عبدٍ من عبيدي في بدنه أو ماله أو ولده ثمَّ استقبلَ ذلك بصبرٍ جَميل استحييت منه يوم القيامة أنْ أنصبَ له ميزانًا أو أنشرَ له ديوانًا»
- "المرضُ للمؤمنِ تطهيرٌ ورحمةٌ.. وإنَّ المرضَ لا يزالُ بالمؤمنِ حتَّى مَا يَكُونُ عليه ذَنْبٌ"
استقبلتْ مرضَها بصبرٍ وتسليمٍ لاجئةً إلى ربها محافظةً على عباداتها.. ما كانت تترك صلاتها حتى وهي على سريرها الأبيض كلما تمكَّنت من ذلك. كانت تؤدِّي الصَّلاة إلى آخر فريضة (صلاة الصبح) أقامتها في حياتها. وفي هذا درسٌ عام للفتيات والفتيان أنْ حافظوا على صلواتكم.
وفي صبح يوم الجمعة تُسلِم روحُها إلى بارئها. (نور) كانت أمُّها تنتظر أنْ تزفَّها عروسًا في الدُّنيا، وشاءَ اللهُ تعالى أنْ يأخذَها إليه راضيةً مرضيةً، طاهرةً مطهرةً، قد خلَّصها المرضُ من ذنوبها، وأن يلحقَها بالنبي الأمين وبالزهراء فاطمة وبأهل البيت أجمعين.
اللَّهم جافِ الأرض عن جبنيها وأصعدْ إليك روحَها، ولقِّها منك رحمةً ورضوانًا.
والحمدُ للهِ ربِّ العَالمين.


