
مقالات وثقافة
خرابيش مريض68… قطرة العمى2
|
||
|
ومع الأيام، لم يعد بيت أمي في الواحة كما كان. صار الظلام يثقل خطواتها، وأصبحت الطرق التي حفظتها منذ طفولتها تشبه متاهةً لا تُرى. وفي كل زيارة كانت تتمسّك بيدي وتقول بصوتٍ خافت: عندها فقط أدركنا أن واحة الأحساء الجميلة التي كانت جنتها، لم تعد قادرة على احتوائها كما كانت تفعل دائمًا. وفي تلك الليلة وقفنا جميعًا أمام سؤال لم نجرؤ يومًا على طرحه:
المدينة التي كانت تخشاها وتهرّب حتى من زيارتها أصبحت خيارًا مطروحًا. ثقيلًا… ومخيفًا… لكنه ربما كان الأرحم. لم تكن أمي تعلم أن هذه الخطوة، إن حدثت، قد لا تكون نهاية ما أحبّت، بل بداية حبٍّ آخر لم تتخيله يومًا. ولم نكن نحن نعلم أن العمى الذي أخذ من عينيها النور، كان يهيّئ لها طريقًا ترى فيه بقلبها أكثر مما رأت ببصرها. لم نخبرها مباشرة. كانت أمّي تجلس على طرف الكنبة وتصغي إلينا أكثر مما ترى، فالسمع صار دليلها الوحيد على الوجوه. قالت بهدوءٍ يشبه الاستسلام: اقتربتُ منها، وأمسكتُ يدها. تردّدتُ لحظة… لم تردّ فورًا. أومأتُ، رغم أنها لا تراني، ولكني لم أعرف ما أجيب. قالت بعد صمتٍ قصير: لم تبكِ. قالت وكأنها تحدّث نفسها ولكننا نسمع ما تقول: ثم رفعت رأسها قليلًا، وسألت: قلنا جميعًا: نعم. سكتت مرة أخرى. في تلك الليلة، عرفنا أن القرار اتُّخذ، خرجنا من الغرفة واحدًا تلو الآخر، لم نكن نعلم أن المدينة التي خافت منها طويلًا كانت تخبّئ لها أصواتًا خافتة، وأيادٍ بريئة ستقودها… حين تعبت عيناها. انطلقنا مع الفجر. لم يكن في السيارة ما يُقال، الصمت كان أصدق من أي حديث. جلست أمّي في المقعد الخلفي، تُمسك بحقيبة صغيرة وضعتها في حضنها، لم نكن نعرف ماذا تحمل فيها، لكننا كنّا نعلم أنها جمعت فيها ما تبقّى من عالمها. الطريق كان طويلًا، مئة وستون كيلومترًا كانت تسأل أحيانًا: تسكت، ثم تسأل بعد مسافة: لم تكن تسأل عن الطريق، كانت تسأل عن نفسها، عن المسافة بين ما كانت عليه وما ستصبحه بعد قليل. وحين بدأ تعب الطريق الذي لم تعتده يرهقها, قالت بهدوء: تنفّست بعمق، لم تبتسم، ولكنها أيضًا لم تبكِ. قالت فقط: وفي تلك الليلة، عرفنا أن الرحلة لم تكن من الواحة إلى المدينة، بل من حياة كانت تُرى بالعين إلى حياة ستُعاش بالقلب والإحساس فقط. عندما وصلنا البيت قادتها زوجتي إلى الغرفة التي أعددناها لها. لم تسأل عن لون الجدران، ولا عن شكل السرير، أول ما سألت عنه كان اتجاه القبلة. أماه… أماه…، قلتها والدموع بدأت تنهمر من عيني عند سماعي ذلك، ثم سألت عن موقع الباب والنافذة، وحين عرفتهما، أومأت برأسها كمن ارتاح. أخذت تمشي في الغرفة واضعةً يدها على كل جزء منها، كأنها تُعلّم المكان نفسها. قالت بصوت خافت: ابتسمت أمّي. لم تقل شيئًا، لكن الابتسامة كانت كافية. حين جاء وقت العشاء، قالت إن الطريق أتعبها، وأنها تريد أن تنام مبكرًا كعادتها. ساعدناها على السير ووضعتُ يدها على الجدار، وقلت لها: هزّت رأسها، وكأنها حفظت المكان بطريقتها. تردّدنا لحظة، ثم فهمنا. قالت بهدوءٍ لا يخلو من حكمة: أغلقنا الباب بهدوء. البيت لا يُبنى بالحجارة والأسمنت… ياحبيبتي… بل بمن يسكنه. وفي تلك الليلة، لم تنم أمّي سريعًا، صباح اليوم التالي – أغمضت عينيها أكثر… وكأنها تحاول أن ترى هذا العالم من جديد بقلبها. ولم تكن تعلم أن تلك الأصوات الصغيرة، المزعجة الآن، ستُعيد إليها شيئًا ظنّت أن العمى أخذه منها إلى الأبد. لنكمل الحكاية في “قطرة العمى3”
|
||
| ◈ اللجنة الإعلامية بجمعية العوامية الخيرية |