الثروة الدوائية .. سلسلة الأجيال

رؤية 2030 | تقرير صناعي

الثروة الدوائية
سلسلة الأجيال

أحمد زكي الصالح

بقلم الدكتور

أحمد زكي الصالح

أعلنت وزارة الصناعة والثروة المعدنية في تقريرها السنوي لعام 2025 الصادر حديثاً عن أرقام تعكس التحوّل الذي تشهده المملكة في قطاع الصناعات الدوائية والأجهزة الطبية، من مستهلك إلى مُنتج، فنسبة توطين الصناعات الدوائية بلغت 30.5 % متجاوزةً المستهدف، ووُضع حجر الأساس لأول مصنع أدوية بيولوجية متكامل في المملكة، ولمصنع إنسولين يستهدف توطين 85 % من احتياجات القطاع الصحي، وهي ملامح مسار يندرج ضمن رؤية 2030 وبرنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية. أرقام تستحق التأمل لا لأنها إنجاز فحسب - بل لأنها تكشف عن تحوّل أعمق في كيفية فهمنا لقطاع الصحة.

الفلسفة الجديدة

في الماضي، تعاملنا مع الصحة كقطاع خدمي: نبني المستشفيات، ونستقطب الكوادر، ونستورد الدواء. لكن السنوات الأخيرة كشفت محدودية هذا المنطق - حين تتوقف خطوط الإمداد العالمية، تتحول المنتجات البسيطة إلى موارد إستراتيجية، كما حدث مع الكمامة في ذروة جائحة كورونا، والأرقام التي يحملها التقرير ليست إنجازاً معزولاً، بل ترجمة عملية لهذا التحوّل في الفهم.

من زاوية الصحة، الفرق بين استيراد الدواء وتصنيعه لا يُقاس بالمنتج وحده. حين نستورد دواءً، يصل إلى المريض جاهزاً - أما المعرفة التي صنعته، والكفاءات التي تطلّبت تصنيعه، والصناعات الداعمة التي ينشئها، فتبقى عند المُصنّع الأصلي. وحين تنطلق الصناعة محلياً، تنتقل معها المعرفة قبل الآلة: يتحوّل الصيدلي السعودي من صارف للدواء إلى مُشارك في تصنيعه، ويتحوّل الباحث الجامعي من ناشر للأوراق العلمية إلى مُطوّر لتركيبات قابلة للإنتاج. هنا تتقاطع الجامعة مع المصنع، ويلتقي البحث الصحي مع الصناعة الدوائية، وتتشكّل بنية إنتاجية متكاملة: من البحث والتطوير، إلى التسجيل التنظيمي، إلى التصنيع وضمان الجودة، إلى التغليف والتوزيع. كل حلقة منها تخلق وظائف وكفاءات وطنية، وترفع نسبة المحتوى المحلي، وتُبقي القيمة الاقتصادية داخل الاقتصاد الوطني. وهذا ما تتبنّاه المنظومة الصناعية صراحةً، إذ تضع "تطوير سلاسل القيمة" و"نقل المعرفة" و"رفع المحتوى المحلي" ضمن ركائزها الأساسية. ويعكس إعلان الوزارة عن إنشاء أول مصنع أدوية بيولوجية متكامل في المملكة هذا التوجه: ليس استقدام تقنية، بل تأسيس قدرة محلية على التصنيع الحيوي المتقدم.

غير أن البنية الصناعية لا تبدأ من خط الإنتاج، بل من قراءة دقيقة للطلب. وفي لجان المركز الوطني للتنمية الصناعية المعنية بالصناعات الدوائية والأجهزة الطبية، يحضر هذا التكامل في تكوين اللجان: خبرات صناعية واستثمارية وصحية تجلس معاً على طاولة واحدة. هذا الحضور المشترك هو ما يجعل اختيار ما يُوطَّن أولاً - أدوية الأمراض المزمنة، مستلزمات الطوارئ، اللقاحات - قراراً مبنياً على الواقع الصحي لا على الجدوى الاقتصادية وحدها - قراراً يتحوّل به التوطين من قرار اقتصادي بأبعاد صحية، إلى قرار صحي بقدرة صناعية.

مصنع إنسولين واحد يستهدف تغطية 85 % من احتياج المملكة - أثرٌ يتجاوز السوق المحلي. المنطقة من حولنا تشترك معنا في عبء الأمراض المزمنة - السكري، أمراض القلب، السمنة - ويعتمد معظمها على الاستيراد لتغطية احتياجاتها الدوائية. ما يبدأ كاستجابة محلية يحمل أفقاً إقليمياً تتبنّاه الإستراتيجية الصناعية صراحةً: تشكيل قاعدة صناعية إقليمية، ودعم الصادرات، وتكامل خليجي يُعظّم القيمة. وحين يتقدّم هذا المسار، يكتسب القطاع الصحي وجهاً إنتاجياً يُضاف إلى وجهه الخدمي.

2030

الصحة لا تكتمل بالعلاج وحده - بل بكل ما يَقي قبله ويَحمي بعده. حين تُقاس بعدد المرضى المُعالَجين فقط، تبقى نفقة، وحين تُقاس بعدد المرضى الذين يضمن لهم مصنع وطني استمرار علاجهم ومنع مضاعفاتهم، واللقاحات التي تقي أجيالاً قادمة، والوظائف التي تنبت من بنية إنتاجية، والكفاءات التي تتشكّل من شراكة بين الصيدلي والباحث والمهندس - تتحوّل إلى استثمار، هذا التحوّل في القياس هو ما يُعطي توطين الصناعة الدوائية معناه الكامل.

الثروة الدوائية .. سلسلة الأجيال
آراء ومقالات