مبادرات لغسيل القلوب

بقلم الأستاذ: زكي علي الصالح

في كلِّ مرة كنت أزور فيها أحد الآباء من كبار السن، ضمن اهتمامي بتدوين وتوثيق المواضيع التاريخية والتراثية للبلدة، كان يطلب مني بدلاً من السؤال عن الماضي وتاريخه وتراثه الانشغال بالمصالحة بين المتخاصمين من الناس معللاً طلبه بكثرة حالات المشاكل الأسرية والخصومات داخل الأسرة الواحدة، حيث بات من النادر أن تجد عائلة ليس فيها إخوة أو أقرباء متخاصمين، أو جيرانًا أو أعضاء ديوانية لا تجد بينهم من لا يعيش حالة الهجر والقطيعة مع شخص أو أكثر.

وعبثًا كنتُ أحاول إقناع ذلك الأب، بأني رغم إيماني بأهمية ما يقوله ويطرحه عليّ من اقتراح وإدراكي لعظم الأجر والمثوبة فيه، إلا أني صاحب طاقة محدودة، وطاقتي هذه أوجهها للمشروع الذي أنا أحبه ومنشغل فيه وأضعه كأولوية على ما عداه من مشاريع أخرى مفيدة للمجتمع.

لكن بالتأمل في كلام هذا الأب نجد أنه ينطلق من حقيقة ملموسة للجميع، وهي ارتفاع معدل الخصومات والعداوات بين أفراد المجتمع بشكل أكثر من السابق، فالخلافات والخصومات في تزايد مستمر، وهذه لها أسبابها الكثيرة التي لا مجال هنا لذكرها، ويجب علينا كمجتمع التحرك من أجل احتواء هذه الظاهرة والعمل على معالجتها حتى لا تفتك بوحدة المجتمع وتماسكه.

ما هو الحل إذن؟

الحل هو في انطلاق مبادرات اجتماعية لغسيل القلوب بين المتخاصمين والمتشاحنين، في كل أسرة وحي وديوانية وجماعة مسجد.

وللتوضيح للقراء الذين ألفت آذانهم سماع مصطلحات؛ غسيل معدة، غسيل كلى، غسيل دماغ، غسيل أموال، ولكن "غسيل القلوب" مازال وقعه غريبًا عليهم وليس مفهوماً لهم، فإن هذا المصطلح أكثر ما يستعمل في الإعلام اللبناني للدلالة على جلسات المصالحة بين الأفراد والفرقاء المتخاصمين، والتي تتخللها عادة تبادل لعبارات العتاب والمصارحة.

ويرجّح أن أول ظهور له في الصحافة اللبنانية كان في نهاية السبعينيات الميلادية، وربما كانت ولادته على يد الأديب والمفكر اللبناني ميخائيل نعيمة ( 1889 ـ 1988) الذي تنسب له مقولة "عجبت لمن يغسل وجهه عدة مرات في النهار، ولا يغسل قلبه مرة واحدة في السنة".

فليكن هذا الشهر الفضيل المعروف دينيًا وفلكلورياً بأنه شهر التسامح والعفو والغفران، هو بداية انطلاقة مبادرات غسيل القلوب، على أن تستمر على مدار العام، لكن يتم تأكيدها وتفعيلها سنويًا في شهر رمضان المبارك لخصوصيته ولمضاعفة الأجر فيه.

المشكلة لدينا في تقصيرنا في هذا الجانب ليست في قلة النصوص أو الوعي والإدراك بمعانيها الحاضة على الصلح والتسامح والتي تبين الإثم والضرر من استمرار تلك الخصومات على دين الفرد وآخرته، فجميعنا في شهر رمضان نتلو القرآن ونمر بهذه الآيات  كـ (الصلح خير) النساء 128، (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم) الأنفال 1، (فاصلحوا بين أخويكم) الحجرات 10، (وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفوراً رحيماً) النساء 129، لكن المشكلة هي نفسية في المقام الأول، ولا شك أن الأنا والكبرياء يمنعان الكثيرين من اتخاذ المبادرة من تلقاء أنفسهم للمصالحة مع من بينهم وبينه خصومة وعداوة، على الرغم من اقتناعهم بعظم الأجر والمثوبة منها، وهنا لابد من تدخل أطراف تكون مقبولة من كلا الطرفين لإجراء عملية المصالحة أو غسيل القلوب كما في المصطلح المذكور.

تحضرني هنا قصة من المناسب ذكرها في هذا السياق حدثت لي وأنا في مرحلة الدراسة الثانوية، حيث تفاجأت بشخص يصغرني في العمر قليلاً وليس بيني وبينه علاقة، يدق الباب عليّ وحين خرجت له طلب مني أن أسعى للمصالحة بينه وبين شخص صديق له نشب خلاف بينهما وتخاصما وهو يحن إليه وإلى رفقته ولكن كبرياءه يمنعه أن يذهب إليه مباشرة ويطلب منه المصالحة، وفعلاً سعيتُ في الأمر ووجدت أن الأمر سهلًا يسيرًا والاستعداد للمصالحة متوفرة لدى الطرف الآخر وكان ينتظر أية مبادرة من أي أحد لإعادة المياه إلى مجاريها بينه وبين صديقه، كما في قصة أخرى يروي أحدهم بأنه سعى في خلاف بين أخوين استمر بينهما لـ 35 سنة حتى وصل الحال بهما أن أولاد كل منهما لا يعرفون أبناء الأخ الآخر، وحين سعى في الصلح بينهما وجد أن الأمر لم يكن يحتاج إلا جلسة واحدة ظل الاثنان ينصتان إليه طوال الوقت وتصالحا دون إبداء ممانعة من أي أحدٍ منهما، فكلا الأخوين كانا في تشوق لإنهاء حالة الجفاء والقطيعة بينهما، وكانا ينتظران من يقود زمام المبادرة بالعودة في العلاقة بينهما إلى سابق عهدها قبل الخصومة، فعلاً تم ذلك، ولكن للأسف دفع الأولاد فاتورة هذا الزعل حيث نشأوا غرباء عن بعضهم البعض، لا ذكريات مشتركة بينهم ولا مشاعر ود متبادلة.

الخصومات كما البشر لها أعمار وولادات وآجال ونهايات، وهي تبدأ قوية وعنيفة، محمّلة بكثير من اللاءات وعبارات الرفض، ومع الزمن تضعف قوتها وتخف حدتها شيئًا فشيئًا، وتكون بعدها جاهزة ومتحضرة لعملية غسيل القلوب، فالأنفس مثل قدور الطبخ لا يمكن مسها ومقاربتها وهي حامية، لابد من تركها حتى تبرد.

في الخصومات البسيطة والسطحية، يمكن احتواؤها عبر اعتماد "سياسة إطفاء الحرائق" أو طريقة "كل واحد يصلّح سيارته"، أما في الخلافات العميقة والمزمنة، فلا يفيد معها إلا إجراء عملية غسيل للقلوب، وحتى تكون " غسيل القلوب" ناجحة وتحقق صفة الاستدامة، لابد أن تؤسس على قواعد متينة وسليمة، وتستلزم توفر شروطها، وأهم شرطين لها هما "المصارحة" و "العدل"، وهي ترتكز على مناقشة أسباب الخصومة بصراحة وهدوء وموضوعية، والاعتراف بالخطأ والاعتذار منه، ورد الحق لصاحبه.

والمصالحة بين المتخاصمين كما لها شروطها، لها أيضاً أساليبها، وآدابها، وبالممارسة يكتسب القائمون عليها مهارات وخبرات تجعلهم قادرين على حل أصعب المشاكل وأكثرها تعقيداً. 

ولاستدامة وضمان نجاح هذه المساعي الطيبة، لابد من وجود فريق ذي مهارة وخبرة، وقبل ذلك أمانة ومقبولية لدى الناس، يهتم هذا الفريق برعاية المبادرات الاجتماعية لغسيل القلوب، وتقديم لها كافة أوجه الدعم والمساندة اللازمة لها، وأظن جمعية العوامية الخيرية هي أفضل مكان لاحتضان هذا الفريق، بصفتها مؤسسة اجتماعية رسمية، ولتاريخها في هذا المجال، حيث كانت في يوم من الأيام مقراً لما عرفت بـ "لجنة إصلاح ذات البين"، على أن يراعى حين إعادة تأسيس مثل هذه اللجنة أن تكون شاملة في تكوينها وخدماتها لطرفي المجتمع الرجال والنساء، ولا أن تقتصر على مشاكل الحياه الزوجية كما في السابق، والتي يمكن فيها التعاون مع المؤسسات الأهلية التي تعنى بهذا النوع من الخلافات عادة.

أتمنى أن لا ينتهي هذا الشهر الكريم إلا بسماع خبر إعادة تشكيل هذه اللجنة، وانطلاق كثير من مبادرات غسيل القلوب ونجاحها في رتق الفتوق في نسيج البلدة الاجتماعي.

همسة في الختام لكل المتخاصمين، المبادرة إلى الصلح فضيلة ونبل، والاعتراف بالخطأ شجاعة، والاعتذار عنه شهامة، وتلك لعمري هي أخلاق الفرسان.
مبادرات لغسيل القلوب
آراء ومقالات