أمي تسلّم عليكم

بقلم الأستاذ / سعود آل سعيد

ربيت في حي كربلاء، كانت أبوابه مشرّعة، والقلوب مفتوحة قبل تلك الأبواب. 

في الأمس القريب وبنفس هذا التوقيت من العام، بينما نلهو وقت الضحى في زرانيق الرحيل ولحيف الريح ونسائمه تتلاعب بسعف النخل، ناقلًا رائحة "الحماص" التي تنعش الرأس، ورنّة الملاس بمحيط الصفرية كأنه سيمفونية عذبة اللحن تطرب المسامع.. 

هناك في زاوية الحي، يدلف ولد الجيران بيت جيرانه-ما يحتاج يدق الباب أو يستأذن، فالبيوت للكل-فيقول لجارتهم "أمي تسلم عليكم وتقول تبغى نص مچايلة عيش وراس بصل"، ردت الجارة "غالي والطلب رخيص يا ولدي"، عطته مچيالة كاملة ورأسين بصل... 
ساعة زمن ورجع لنفس البيت وبيده ماعون مغطى بدسمال، اعطاه جارتهم لتشاركهم الطبخة إلي "تگند المخ"...

لم يكن سلام الأم لجارتها عبر المرسال (الولد) خلال عبارة "أمي تسلم عليكم،،،" وتطلب البصل تارة، وطماطم تارة، وتارة خبز، مجرد ايصال تحية من جار إلى جار!! بل نمط شعبي وعرف أخلاقي له دلالاته الاجتماعية العميقة تعبيراً عن مدى التراحم بين الأهالي وجمال روح الجيرية، وسردية راسخة في العقد الاجتماعي بنسيجه المترابط رافعة التكلف والقيود والرسميات المعقدة، بل عنوان للحياة البسيطة، والقلوب النقية والعلاقة الطاهرة..
صغار الحي، هم مراسيل الرحمة بين الجيران...

 إذاً، هو رسالة لها دفئها التي تعجز عنه كل العبارات وصيغ البلاغة وعلم الكلام،مولدة لدى العقل الجمعي عرف مفاده "مباركة الله في خير الواحد للكل والرزق القليل ينمو بمشاركة الجميع".. 

على الرغم من مشاق الحياة وضنك العيش وصعوبة الحال، لكن مجرد تذكر تلك الأبواب المشرّعة والبيوت المتلاحمة بالإنسان قبل البنيان تكفي بأن نشتاق لها..

ختامًا ،، ممن عاصر تلك الأيام، أجزم بأنه مشتاق إلى مقولة "أمي تسلم عليكم؟!" 
أمي تسلّم عليكم
آراء ومقالات